محمد بن جرير الطبري
139
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أحمد الله حمدًا ، وليس التأويل في قول القائل : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، تاليًا سورةَ أم القرآن : أحمدُ الله ، بل التأويلُ في ذلك ما وصفنا قبلُ ، من أنّ جميع المحامد لله بألوهيّته وإنعامه على خلقه بما أنعم به عليهم من النعم التي لا كِفاء لها في الدين والدنيا ، والعاجل والآجل . ولذلك من المعنى ، تتابعتْ قراءة القرّاء وعلماء الأمة على رَفع الحمد من ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) دون نصبها ، الذي يؤدي إلى الدلالة على أن معنى تاليه كذلك : أحمد الله حمدًا . ولو قرأ قارئ ذلك بالنصب ، لكان عندي مُحيلا معناه ، ومستحقًّا العقوبةَ على قراءته إياه كذلك ، إذا تعمَّد قراءتَه كذلك ، وهو عالم بخطئه وفساد تأويله . فإن قال لنا قائل : وما معنى قوله " الحمد لله " ؟ أحَمِد الله نفسه جلّ ثناؤه فأثنى عليها ، ثم علَّمنَاه لنقول ذلك كما قال ووصَف به نفسه ؟ فإن كان ذلك كذلك ، فما وجه قوله تعالى ذكره إذًا ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وهو عزّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ ؟ أم ذلك من قِيلِ جبريلَ أو محمدٍ رَسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقد بَطل أن يكون ذلك لله كلامًا . قيل : بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه ، ولكنه جلّ ذكره حَمِد نفسه وأثنى عليها بما هو له أهلٌ ، ثم علَّم ذلك عباده ، وفرض عليهم تلاوته ، اختبارًا منه لهم وابتلاءً ، فقال لهم قولوا : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، وقولوا : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) . فقوله ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) مما علمهم جلّ ذكره أن يقولوه ويَدينُوا له بمعناه ، وذلك موصول بقوله : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، وكأنه قال : قولوا هذا وهذا . فإن قال : وأين قوله : " قولوا " ، فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ ؟ قيل : قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها - إذا عرفتْ مكان الكلمة ،